بقلم: إنعام عادل
كان أجدادنا يسافرون شهورًا ليصلوا إلى معلومة، ونحن اليوم نصل إلى المعلومة بضغطة زر، لكن السؤال الأهم: هل وصلنا إلى الفهم؟
نحن نعيش رحلة الغد الآن. الغد لم يعد ذلك الحلم البعيد الذي نتحدث عنه في كتب التعبير، الغد أصبح يجلس معنا في نفس الغرفة. اسمه الذكاء الاصطناعي، والعملات الرقمية، والتعليم عن بعد، والروبوت الذي يكتب ويرسم ويبرمج.
المشكلة أن كثيراً منا لا يزال يحزم حقيبة الأمس ليسافر بها إلى الغد. نُعلّم أبناءنا مناهج تحفظ، بينما العالم يحتاج عقولاً تفكر. نُخوفهم من التكنولوجيا بدلاً من أن نُعلمهم كيف يقودونها بأمان.
هناك نوعان من البشر: نوع ينتظر الغد، ونوع يصنعه. ونحن كمجتمع نقف الآن على محطة فاصلة بين النوعين.
كنا نظن أن الغد بعيد. كنا نقول “بكرة التكنولوجيا هتعمل كذا”. فجأة استيقظنا؛ فوجدنا أن “غدًا” أصبح “أمس”.
الذكاء الاصطناعي لم يعد خيالاً علميًا بل زميل عمل. التعليم لم يعد “سبورة” و””طباشير، بل منصة وكود وخريطة تدفق. العالم لم يعد قرية صغيرة كما قيل لنا، بل أصبح غرفة صغيرة، كلنا نسمع بعضنا فيها.
وهنا يكمن الخطر والفرصة في نفس اللحظة.
الخطر أن نسافر إلى الغد بنفس أدوات الأمس. أن نُدخل التابلت إلى الفصل، لكننا لا نغير طريقة تفكيرنا. أن نعطي الطفل أغلى هاتف، ولا نعلمه كيف يحمي نفسه من مخاطره، وكيف يتحول من مستهلك للمحتوى إلى صانع له. نحن نُجهز أبناءنا لعالم لم يعد موجودًا.
أما الفرصة، فهي أن هذه الرحلة لم تحسم بعد. تذكرة الصعود إليها لا تزال متاحة للجميع. بلد يمتلك حوالي أكثر من 60% من شعبه تحت سن الثلاثين، لا يمكن أن يخاف من المستقبل، بل يجب أن يقوده.
رحلة الغد لا تحتاج عباقرة فقط، تحتاج إنساناً متكاملاً.
تحتاج طالبًا يعرف البرمجة، ويعرف أيضاً الصدق.
يعرف كيف يصمم روبوت، ويعرف كيف يتعاون مع زميله. ويعرف كيف يبحث على الإنترنت، ويعرف كيف يتأكد أن المعلومة صحيحة وأمينة.
لهذا، أقول إن دور المعلم اليوم لم يعد تلقين معلومة، بل إشعال فضول. ودور الأسرة لم يعد توفير جهاز، بل توفير وعي. ودور الدولة لم يعد بناء مدارس أكثر، بل بناء عقول مختلفة داخل نفس المدارس.
كنت أسأل أحد طلابي: ماذا تريد أن تكون غداً؟ أحدهم قال لي: “عايز أكون صاحب شركة ألعاب”. لم أضحك. قلت له: ابدأ الآن. فالغد لا يبدأ بعد عشرين سنة، الغد يبدأ من الحصة القادمة.
هذه هي رحلة الغد. ليست رحلة زمان، بل رحلة قرار. قرار أن نتوقف عن الشكوى من جيل “ماسك الموبايل طول الوقت”، ونبدأ نعلمه كيف يجعل هذا الموبايل هو جواز سفره إلى العالم.
القطار تحرك. فهل سنلحق به، أم سنظل نلوح له من على الرصيف؟
رحلة الغد ليست رحلة قطار سريع ينتظر من يتأخر، هي رحلة يجب أن نصنع لها سكتها. تبدأ من فصل دراسي مُضاء، من معلم مُقدّر، من أم تترك لابنها مساحة ليجرب ويخطئ، من مسؤول يفهم أن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، بل في البشر.
في الشارع المصري، ترى طفلاً في العاشرة يبرمج لعبة على هاتفه، وترى شاباً في العشرين يبيع منتجاته لكل العالم من غرفته. هذا هو الغد، لا ينتظر قراراً من أحد، هو يحدث الآن.
علينا أن نختار: هل سنكون ركابًا يشاهدون الرحلة من النافذة، أم سنكون قادة هذه الرحلة؟
الغد لا يأتي لمن ينتظره، الغد يأتي لمن يصنعه.
—







