كتب/ اشرف عبده
تُعتبر مصر أقدم دولة مركزية عرفها التاريخ البشري، حيث صاغت على ضفاف نهر النيل المفهوم الأول لمؤسسات الحكم والسيادة الوطنية منذ أكثر من خمسة آلاف عام. لم تكن سيرة الحكم في مصر مجرد تعاقب اعتيادي للسلطات أو الأسرات الحاكمة، بل كانت ملحمة متصلة من التدافع بين المركزية الوطنية القوية والضغوط الاستعمارية أو التنظيمات الموازية التي حاولت تجريف هويتها. إن قراءة تحولات نظام الحكم في مصر—من تقدس الفراعنة والولايات الكلاسيكية والإسلامية، مروراً بتأسيس الدولة الحديثة على يد أسرة محمد علي، وصولاً إلى العصر الجمهوري ومواجهة الإرهاب وأطماع الفاشية الدينية—تُظهر حقيقة استراتيجية ثابتة: إن قوة مصر واستقرارها الإقليمي ينبعان دوماً من وجود مؤسسات سيادية متماسكة ودولة شمولية تحمي المقدرات الوطنية وتصون استقلال القرار القومي. وفي هذا المقال، نستعرض بالتفصيل الممتد والعميق تاريخ الحكم في مصر مع فصل كل حكام وأسرة ورئيس على حدة، وتوثيق موجات العمليات الإرهابية والاغتيالات السياسية التي واجهت الدولة عبر مختلف العصور.
أولاً: نظام الحكم في مصر القديمة (العصر الفرعوني) – القدسية والمركزية الإلهية
تُعد الدولة المصرية القديمة النموذج الأول في التاريخ البشري لتأسيس مفهوم “الدولة المركزية” ذات المؤسسات المستقرة والبنية الإدارية المنظمة؛ حيث قام نظام الحكم على فكرة “الملكية المقدسة” التي تجسدت في شخص “الفرعون”. لم يكن الحاكم في المفهوم المصري القديم مجرد رئيس سياسي أو قائد عسكري، بل كان يُنظر إليه باعتباره ابناً للآلهة أو الممثل الأرضي للعدالة الإلهية، والمسؤول المباشر عن استقرار “الماعت” (نظام الحق والعدل والنظام الكوني). تركزت في يد الفرعون السلطات المطلقة: التشريعية بتمثيله مصدر القوانين، والتنفيذية بكونه القائد الأعلى للجيش والدولة، والدينية بصفته الكاهن الأكبر لجميع معابد مصر. ومع ذلك، لم يكن الحكم الفرعوني استبداداً عشوائياً، بل كان محكوماً بتقاليد دينية وقوانين أخلاقية ملزمة للملك نفسه أمام الآلهة والشعب، مما جعل الحفاظ على أمن البلاد ورفاهية الرعية المعيار الأساسي لشرعية استمراره.
ولإدارة دولة شاسعة تمتد على ضفتي النيل، طور المصريون القدماء جهازاً إدارياً حذقاً يقوده “الوزير” (مثل الوزير إمحوتب أو إيمhotep)، الذي كان بمثابة رئيس الوزراء واليد اليمنى للفرعون. قَسّم هذا النظام البلاد إلى “أقاليم” (بلغ عددها غالباً 42 إقليماً)، يحكم كل إقليم حاكم ينفذ سياسات العاصمة المركزية (سواء كانت منف، أو طيبة، أو تل العمارنة، أو إجتاوي). ضمت الإدارة المصرية القديمة دواوين متخصصة؛ كديوان الخزانة للضرائب والمحاصيل، وديوان الأشغال العامة للمشاريع الهندسية والري، وديوان الجيش والأسطول للحماية الحدودية، بالإضافة إلى السجلات القضائية والكتبة الذين شكلوا العمود الفقري للإدارة. سمح هذا البناء التنظيمي المتين لمصر بالصمود آلاف السنين، وتجاوز أزمات الفترات الانتقالية (فترات الاضطراب الإقليمي)، والتصدّي للهجمات الخارجية، مما أرسى البنية العميقة لمفهوم “الدولة الوطنية” التي ارتبط فيها الحكم بالسيادة والعدل والإدارة التنموية للموارد.
شهدت مصر القديمة محاولات ومؤامرات اغتيال سياسي واضطرابات أمنية استهدفت قمة هرم السلطة؛ وتُعد “مؤامرة الحريم” لإغتيال الملك رمسيس الثالث من أبرز الحوادث التوثيقية الموثقة في برديات القضاء (بردية تورين القضائية)، حيث خططت إحدى زوجات الملك (الملكة تي) بالتعاون مع كبار الموظفين وقادة القصر لاغتياله لتولية ابنها العرش، وأسفرت المؤامرة عن مقتل الملك بربح في رقبته وفق الفحوصات المومياوية الحديثة، لكن المؤامرة فُشلت وتمت محاكمة وإعدام المخططين. كما شهدت فترات الاضطراب الأول والثاني محاولات تمرد واغتيالات لحكام الأقاليم والملوك الضعاف، مما أدى لتقسيم البلاد قبل أن يعيد ملوك طيبة الشجعان توحيد الدولة المركزية بالسيف.
ثانياً: الحكم في العصور الكلاسيكية (البطلمية والرومانية والبيزنطية) – الحكم الأجنبي والإدارة الطبقية
عقب سقوط الأسرة الثلاثين وانتهاء الحكم الفرعوني الخالص، دخلت مصر مرحلة طويلة من الخضوع للحكم الأجنبي بدأت بالفتح المقدوني عام 332 ق.م وتأسيس الدولة البطلمية على يد بطلميوس الأول. تحول نظام الحكم في العصر البطلمي إلى “ملكية هلنستية” جمعت بين الأبهة الملكية المطلقة للشرق والأساليب الإدارية الإغريقية؛ حيث اتخذ البطالمة من الإسكندرية عاصمة عالمية وتوجوا أنفسهم كفراعنة لتأمين الشرعية الدينية لدى المصريين. استأثر الإغريق بالوظائف القيادية العليا والمناصب السياسية والعسكرية، بينما تم تهميش المصريين في الفئات الدنيا للعمل الزراعي والإداري البسيط، وأُخضعت البلاد لنظام احتكار اقتصادي صارم وجه ثروات النيل لخدمة البلاط الملكي والتوسع الخارجي للبطالمة، مما ولد ثورات شعبية متكررة في الصعيد والدلتا ضد هذا الاستغلال الطبقي.
ومع سقوط كليوباترا السابعة عام 30 ق.م، تحولت مصر إلى ولاية رومانية ذات وضع استثنائي؛ إذ لم تُلحق ببرلمان الـ “سيناتو” بل أصبحت ملكية خاصة للإمبراطور الروماني مباشرة، يُعين عليها حاكماً رومانياً من طبقة الفرسان (Praefectus Aegypti). كان الهدف الأساسي لنظام الحكم الروماني ثم البيزنطي هو تحويل مصر إلى “سلة غذاء الإمبراطورية” لتموين روما ثم القسطنطينية بالقمح، مع استنزاف طاقتها الضريبية. شهدت هذه الحقبة تشديد القبضة الأمنية والعسكرية، وفرض تقسيمات إدارية طبقية تفصل بين المواطنين الرومان، والإغريق، وأهل البلاد الأصليين (المصريين Coptic). ومع انتشار المسيحية، تحول الصراع من سياسي واقتصادي إلى عقائدي وسياسي حاد بين الكنيسة المصرية الوطنية والكنيسة الإمبراطورية البيزنطية، مما جعل الحكم البيزنطي مفروضاً بالقوة العسكرية ومفتقداً لأي شرعية شعبية لدى المصريين، ومهد الطريق للتحول الكلي في تاريخ البلاد.
شهدت العصور الكلاسيكية تصافياً دموياً واغتيالات سياسية متكررة داخل بلاط الحكم؛ ففي العصر البطلمي تفشت الاغتيالات الأسرية والتسميم، حيث قُتل بطلميوس الرابع على يد حاشيته، وقُتلت الملكة برينيكي الرابعة، وتم اغتيال القائد الروماني بومبيوس فور وصوله شواطئ الإسكندرية عام 48 ق.م بأمر من أصحاب القرار البطالمة لخطب ود يوليوس قيصر. وفي العصر الروماني والبيزنطي، تعرض الحكام والبطاركة لاغتيالات ومواجهات دموية، واغتيلت الفيلسوفة الإسكندرية هيباتيا عام 415م في أحداث عنف سياسي وديني شهدتها شوارع الإسكندرية، إلى جانب حملات التصفية والاضطهاد العسكري ضد ثورات المصريين (مثل ثورة البشاموريين في الدلتا) التي قوبلت ببطش عسكري واستنزاف دائم.
ثالثاً: نظام الحكم في العصر الإسلامي المتتابع (تفصيل حكام الدول الإسلامية)
1. عهد الخلفاء الراشدين والولاة (641م – 661م):
تأسس الحكم الإسلامي في مصر على يد فاتحها القائد عمرو بن العاص عام 641م (20هـ)، حيث تحولت البلاد إلى ولاية تابعة لمركز الخلافة في المدينة المنورة. اتخذ عمرو بن العاص من مدينة “الفسطاط” عاصمة جديدة لمصر وبنى جامعة الشهير، وأرسى نظام حكم قائماً على الإدارة المالية والإدارية المرنة؛ حيث أبقى على الموظفين المصريين في الدواوين واستثمر في خليج أمير المؤمنين (قناة سيزوستريس) لنقل البضائع. خلفه في الولاية عبد الله بن أبي السرح الذي وسع حدود مصر جنوباً وغرباً وخاض معركة ذات الصواري البحرية. اتسمت هذه المرحلة بالعدالة الفردية وتخفيف الضرائب عن الروم البيزنطيين، لكنها تأثرت لاحقاً بالفتنة الكبرى وتداعيات اغتيال الخليفة عثمان بن عفان، حيث شهدت مصر صراعات بين أنصار علي بن أبي طالب ومواقف معاوية بن أبي سفيان حتى آلت السلطة للأمويين.
2. عهد الدولة الأموية (661م – 750م):
أصبحت مصر ولاية استراتيجية تابعة لدمشق في العهد الأموي، وتوالى عليها حكام بارزون كان أطولهم وأقواهم ولاية عبد العزيز بن مروان (والد الخليفة عمر بن عبد العزيز) الذي حكم مصر أكثر من عشرين عاماً. جعل عبد العزيز بن مروان من حلوان مقراً لحكمه، وبنى القصور، وأصلح مقياس النيل، وطور نظام المباشرين والدواوين، وعمل على تعريب الدواوين والإدارة الرسمية في مصر لأول مرة بدلاً من اللغة القبطية واليونانية. اتسم الحكم الأموي بالمركزية المالية الشديدة واشتداد جباية الخراج والجزية في أواخر العهد، مما أدى لاندلاع انتفاضات شعبية وثورات لزارعي الدلتا والصعيد (البشاموريين) احتجاجاً على التضييق المالي.
3. عهد الدولة العباسية الأولى والثانية (750م – 868م):
عقب سقوط الأمويين ومقتل آخر خلفائهم مروان بن محمد في مصر عام 750م، خضعت البلاد لحكم العباسيين واتُخذت مدينة “العسكر” عاصمة للولاة. شهدت هذه الحقبة تقلبات سريعة في تعيين الوالين بسبب تخوف الخلفاء العباسيين بغداد من استقلال مصر. وبرز في هذا العهد والي مصر صالح بن علي وسليمان بن علي. ومع دخول العصر العباسي الثاني وسيطرة العسكريين الأتراك على مقدرات الخلافة، أصبح حكام مصر يُعينون إقطاعياً للأمراء الأتراك الذين ينيبون عنهم ولاة محليين، مما أدى لتدهور الاستقرار الداخلي وتفاقم ثورات الجباية إلى أن قيض الله لمصر حكاماً استقلوا بإدارتها نهائياً.
4. عهد الدولة الطولونية (868م – 905م):
تأسست أول دولة مستقلة ذاتياً عن الخلافة العباسية في مصر على يد أحمد بن طولون، الذي جاء نائباً عن واليها التركي بايكباك. أظهر بن طولون عبقرية إدارية وعسكرية؛ فأعلن استقلال مصر المالي والسياسي، وأنشأ عاصمة جديدة هي “القطائع”، وبنى جامعة الشهير، وشكل جيشاً نظامياً من المصريين والمماليك والبربر، وضم الشام والحجاز لنفوذ مصر. واصل ابنه خمارويه مسيرة البناء والرخاء وسجل معاهدات تثبيت الحكم مع الخلافة. غير أن الاغتيالات السياسية نالت من هذا العهد؛ إذ اغتيل خمارويه في دمشق عام 896م على يد خادم له في مؤامرة قصر، وتولى بعده أبناؤه الضعاف (جيش وهارون) وسط صراعات وانقسامات داخلية، مما مكن الجيش العباسي من الدخول إلى القطائع وتدميرها وإعادة مصر للسيطرة العباسية المباشرة مؤقتاً.
5. عهد الدولة الإخشيدية (935م – 968م):
أعاد محمد بن طغج الإخشيد (ذو الأصول التركية) استقلال مصر السياسي عقب تعيينه والياً عليها من الخليفة العباسي. أظهر الإخشيد حزماً في دحر الهجمات الفاطمية القادمة من المغرب العربي، واستعاد السيطرة على الشام والحجاز وتلقب بـ “الإخشيد” (أي ملك الملوك). وعقب وفاته، صعد نجم خادمه ومربى أولاده القائد كافور الإخشيدي، الذي أدار البلاد بفطنة وسياسة عالية لأكثر من عقدين كحاكم فعلي ثم سلطان معترف به. واجه كافور الإخشيدي أزمات اقتصادية وهجمات القرامطة ومؤامرات البلاط، لكن وفاته عام 968م تركت مصر في حالة فراغ سياسي واقتصادي سهل على الفاطميين دخولها.
6. عهد الدولة الفاطمية (969م – 1171م):
دخلت مصر مرحلة الخلافة الفاطمية بعد فتحها على يد القائد جوهر الصقلي في عهد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي. أصبحت مصر مقراً للسيادة والإمبراطورية الفاطمية عقب بناء مدينة “القاهرة” وتأسيس “الجامع الأزهر”. تعاقب على حكم مصر خلفاء أقوياء مثل المعز، والعزيز بالله الذي شهدت مصر في عهده رخاءً واسعاً، ثم الحاكم بأمر الله الذي اتسم عهده بالقرارات المتقلبة والاغتيالات والغموض السياسي وتأسيس دار الحكمة، قبل أن يختفي في ظروف غامضة عام 1021م في حادثة اغتيال أو غياب تاريخية. شهد العهد الفاطمي لاحقاً الشدة المستنصرية في عهد الخليفة المستنصر بالله بسبب الجفاف والحروب الأهلية بين الجنود السودان والأتراك، ولم ينقذ الدولة إلا الوزير بدر الدين الجمالي الذي أعاد الأمن وبنى سور القاهرة وأبوابها. وانتهى العصر الفاطمي بصراع الوزراء (شاور وضرغام) والاغتيالات المتبادلة واستدعاء القوات الأيوبية والصليبية.
7. عهد الدولة الأيوبية (1171م – 1250م):
نجح القائد صلاح الدين الأيوبي في إنهاء الخلافة الفاطمية وإعادة مصر للمذهب السني وتأسيس الدولة الأيوبية. حول صلاح الدين مصر إلى قلعة عسكرية لمواجهة الصليبيين، وبنى قلعة الجبل (قلعة صلاح الدين)، وأعاد بناء السور والقوة البحرية، وقاد من مصر جيوش النصر في معركة حطين وتحرير بيت المقدس. خلفه في الحكم أخوه الملك العادل ثم الملك الكامل الذي واجه الحملة الصليبية الخامسة وبرع في الملاحة السياسية، ثم الملك الصالح نجم الدين أيوب الذي بنى قلعة الروضة وأسس المماليك البحرية. انتهت الدولة الأيوبية بحادثة اغتيال سياسي مفصلية؛ حيث اغتيل الملك المعظم توران شاه (آخر ملوك الأيوبيين) في خيمته على يد أمراء المماليك البحرية عقب معركة المنصورة عام 1250م، لتطوى صفحة الأيوبيين وتبدأ دولة المماليك.
8. عهد دولة المماليك البحرية والبرجية (1250م – 1517م):
شهدت مصر تجربة حكم عسكرية فريدة ترأسها سلاطين المماليك. بدأ العهد بالسلطانة شجر الدر ثم السلطان عز الدين أيبك (الذي اغتيل في حمامه بمؤامرة من شجر الدر التي قُتلت هي الأخرى بعدها بأيام). ثم صعد السلطان المظفر سيف الدين قطز الذي قاد مصر والأمة لدحر التتار في معركة عين جالوت الخالدة عام 1260م، لكنه تعرض لاغتيال سياسي في طريق عودته إلى القاهرة على يد خفيته الظاهر بيبرس. تولى الظاهر بيبرس الحكم وأسس الدولة المملوكية الحقيقية؛ فبنى جيشاً جباراً، وأحيا الخلافة العباسية في القاهرة، وطور البريد والإنشاءات. وخلفه السلاطين الأقوياء كالسلطان المنصور قلاوون وأبنائه (الخليل بن قلاوون محرر عكا، والناصر محمد بن قلاوون صاحب أطول فترة رخاء وعمران). وتغيرت الدولة إلى المماليك البرجية (الجراكسة) بقيادة السلطان الظاهر برقوق، ثم السلطان الأشرف قايتباي والسلطان قانصوه الغوري. تميز عهد المماليك بصراعات وتصفيات واغتيالات بين أمراء المماليك على منصب السلطنة، وانتهى بحادثة إعدام السلطان طومان باي على باب زويلة عقب معركة الريدانية 1517م وتحول مصر لولاية عثمانية.
9. عهد الدولة العثمانية (1517م – 1805م):
أدار العثمانيون مصر عبر نظام ثلاثي يضم الوالي العثماني (الباشا)، وكتائب الوجاقات العسكرية، وأمراء المماليك لإدارة الأقاليم. تعرضت البلاد في هذا العهد للركود الحضاري والاقتصادي. وبرزت فيه حركات استقلال وإرهاب سياسي؛ كحركة علي بك الكبير (1768م) الذي طرد الوالي العثماني وامتنع عن دفع الخراج واستقل بمصر، لكن حركته أُحبطت باغتيال وتآمر قادته وعلى رأسهم محمد بك أبو الدهب. واختتم هذا العهد بالحملة الفرنسية على مصر (1798 – 1801) التي شهدت اغتيال القائد الفرنسي سليمان الحلبي للجنرال كليبر في حديقة الأزبكية بالقاهرة كعملية مقاومة وطنية ضارية، مما عجل برجوع الفرنسيين وصعود الزعامات الشعبية المصرية لتحديد حاكم البلاد المقبل.
رابعاً: عهد محمد علي باشا وخلفائه (فصل كل حاكم على حدة)
1. عهد محمد علي باشا (1805 – 1848) – المؤسس وباني الدولة الحديثة:
تولى محمد علي الحكم بإرادة الشعب وعزل الوالي العثماني خورشيد باشا. قضى محمد علي على منافسيه في “مذبحة القلعة” الشهيرة عام 1811م حيث صفى قادة المماليك نهائياً للسيطرة التامة على الدولة. أحدث ثورة شاملة: ألغى نظام الملتزمين وطبق نظام الاحتكار الاقتصادي، وبنى الجيش النظامي الحديث على يد الكولونيل سيف (سليمان باشا الفرنساوي)، وأنشأ الأسطول البحري ومصانع الأسلحة والترسانة. أرسل البعثات العلمية لأوروبا، وأنشأ المدارس العليا (كالطب والمهندسخانة)، وخاض حروباً مظفرة في الحجاز واليونان والسودان والشام، وكاد يسقط الخلافة العباسية لولا تدخل الدول الأوروبية وفرض معاهدة لندن 1840 التي حصرت حكمه في مصر وراثياً لأسرته.
2. عهد إبراهيم باشا (1848):
القائد العسكري الفذ وابن محمد علي (أو ابنه بالتبني)، قاد الجيوش المصرية في فتوحات الشام والأناضول وهزم الجيوش العثمانية في معارك نصيبين وحمص. تولى رئيس قدرات الحكم كوالٍ على مصر عام 1848 في حياة والده بعد كبر سنه ومرضه، لكن حكمه لم يدم سوى أربعة أشهر وثمانية أيام فقط بسبب إصابته بمرض الشديد ووفاته قبل والده.
3. عهد عباس حلمي الأول (1848 – 1854):
ابن طوسون بن محمد علي، اتسم عهده بالمحافظة والجمود؛ حيث أوقف معظم حركة الإصلاح والتعليم التي بدأها جده، وأغلق كثيراً من المدارس والمصانع وألغى نظام الاحتكار بضغط أوروبي. غير أنه يُحسب له بدء إنشاء أول خط سكة حديد في مصر بين القاهرة والإسكندرية عام 1851. انتهى عهده بحادثة اغتيال سياسي قتِم داخل قصره ببنها على يد اثنين من مماليكه وحراسه في ظروف غامضة عام 1854.
4. عهد محمد سعيد باشا (1854 – 1863):
ابن محمد علي، اتسم بسهولة الأخلاق والانفتاح على الغرب. خفض الضرائب وأصدر “اللائحة السعيدية” عام 1858 التي منحت الفلاح المصري حق ملكية الأرض والتوريث. طوّر السكك الحديدية والمواصلات، وخفض مدة الخدمة العسكرية وجعلها إجبارية للجميع. غير أن خطأه التاريخي الأكبر تمثل في منح صديقه المهندس الفرنسي فرديناند ديليسبس أمتياز حفر قناة السويس عام 1854 بشروط قاسية أضرت بالاقتصاد والمورد البشري المصري، وعقد أول قروض أجنبية لمصر عام 1862.
5. عهد الخديوي إسماعيل (1863 – 1879) – صاحب النهضة والتحديث العمراني:
تولى الحكم وسعى لتحويل مصر إلى “قطعة من أوروبا”. حصل على ألقاب وفرمانات عثمانية تعطيه لقب “خديوي” وحق الاستدانة وحق وراثة العرش لأكبر أبنائه الذكور. افتتح قناة السويس عام 1869 في حفل أسطوري، وبنى القاهرة الخديوية، دار الأوبرا، كوبري قصر النيل، وأنشأ مجلس شورى النواب عام 1866 والمدرسة السنية لتعليم البنات. وسع حدود مصر في إفريقيا واستولى على سواحل البحر الأحمر والسودان. غير أن التوسع في القروض الأجنبية وبناء المشاريع أدى لتراكم الديون وتدخل صندوق الدين والرقابة الثنائية الأجنبية، مما دفع بريطانيا وفرنسا للضغط على السلطان العثماني لعزله وتولية ابنه توفيق عام 1879.
6. عهد الخديوي توفيق (1879 – 1892):
خضع الخديوي توفيق للسيطرة النفوذية لبريطانيا وفرنسا فور توليه لتفادي مصير والده. شهد عهده اندلاع “الثورة العرابية” بقيادة أحمد عرابي عام 1881 للمطالبة بالدستور وتحديد ميزانية الجيش والحد من النفوذ الأجنبي. انحاز توفيق للإنجليز ضد الجيش الوطني، مما أدى لقصار صدمة الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882 عقب معركة التل الكبير. أصبح توفيق حَاكماً اسمياً تحت هيمنة المندوب السامي البريطاني (اللورد كرومر)، وتوفيت مصر في عهده في تبعية الاحتلال وانهيار السودان الثورة المهدي.
7. عهد الخديوي عباس حلمي الثاني (1892 – 1914):
تولى الحكم شاباً وناهض الاحتلال البريطاني وحاول ممارسة سلطاته التنفيذية بحرية، فدعم الحركة الوطنية بزعامة مصطفى كامل ومحمد فريد ونشأة الصحافة الحرة. شهد عهده حادثة دنشواي الشهيرة عام 1906 وموجات اغتيالات سياسية؛ كان أبرزها اغتيال رئيس الوزراء بطرس غالي باشا عام 1910 على يد الشاب الوطني إبراهيم الورداني احتجاجاً على مشروع مد أمتياز قناة السويس والمحاكم الاستثنائية. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، استغل الإنجليز وجوده في أستانة وعزلوه، وأعلنوا الحماية البريطانية على مصر.
8. عهد السلطان حسين كامل (1914 – 1917):
عينه الإنجليز سلطاناً على مصر عقب إعلان الحماية البريطانية وفصل مصر نهائياً عن الدولة العثمانية. شهدت فترة حكمه القيرة الشدة الاقتصادية وتحكم سلطات العسكرية البريطانية في مقدرات البلاد وإمدادات الجيش في الحرب العالمية الأولى، وتعرض لمقامات واعتداءات واحتجاجات شعبية رفضاً للحماية، وتوفي عام 1917.
9. عهد الملك فؤاد الأول (1917 – 1936):
تولى كسلطان ثم أعلن نفسه “مليكاً على مصر” عقب تصريح 28 فبراير 1922 وإلغاء الحماية صورياً. شهد عهده صدور دستور 1923 وتأسيس الملكية الدستورية ونشأة الأغلبية الحزبية (حزب الوفد). تميز عهده بالصراع الدائم بين “العرش” الذي سعى لزيادة صلاحياته وصدر دستور 1930 الاستبدادي، وبين الشعب والأحزاب الوطنية. شهد هذا العهد حادثة اغتيال سياسي كبرى باغتيال “السير لي stack” (السردار الحاكم العام للسودان وقائد الجيش المصري) في شوارع القاهرة عام 1924، مما أدى لأزمة سياسية استقالت على إثرها حكومة سعد زغلول وسحب الجيش المصري من السودان.
10. عهد الملك فاروق الأول (1936 – 1952) – آخر ملوك الأسرة العلوية:
تولى العرش شاباً وحظي بشعبية واسعة فيبدايته. وقعت في عهده معاهدة 1936 التي أنهت الاحتلال العسكري مع بقاء القوات في القناة. شهد عهده حادث 4 فبراير 1942 حين حاصرت الدبابات البريطانية قصر عابدين لفرضه مصطفى النحاس رئيساً للوزارة. خاضت مصر في عهده حرب فلسطين 1948 ونشأت قضية الأسلحة الفاسدة وصعود حركة الضباط الأحرار، مع تصاعد عمليات الاغتيال السياسي والإرهاب (اغتيال محمود فهمي النقراشي باشا، وأحمد ماهر باشا، واغتيال حسن البنا). انتهى حكمه بـ ثورة 23 يوليو 1952 التي أروغته على التنازل عن العرش لابنه الرضيع أحمد فؤاد الثاني والمغادرة على متن اليخت المحروسة إلى إيطاليا.
سادساً: عصر الجمهورية والأحداث السياسية (فصل كل رئيس على حدة مع التفصيل المشدد لحقبة الإخوان والإرهاب)
1. عهد الرئيس محمد نجيب (1953 – 1954):
أول رئيس لجمهورية مصر عقب إعلانها في 18 يونيو 1953 ولغاء الملكية. حظي بشعبية واسعة بين أطياف الشعب والضباط. اتسمت فترة حكمه القصيرة بالصراع المفصلي حول طبيعة الحكم (أزمة مارس 1954) بين اتجاه نجيب المطالب بالعودة للحياة النيابية والديمقراطية وحل مجلس قيادة الثورة، وبين اتجاه جمال عبد الناصر والضباط المطالبين بتثبيت أركان الثورة وتصفية أحزاب العهد القديم. انتهى الصراع بعزل نجيب وتحديد إقامته بقصر زينب الوكيل بالمرج حتى وفاته.
2. عهد الرئيس جمال عبد الناصر (1956 – 1970):
زعيم الثورة وباني الدولة القومية والاشتراكية. خاض معارك مفصلية: تأميم قناة السويس عام 1956 ومواجهة العدوان الثلاثي، وبناء السد العالي، والتصنيع الثقيل، وقوانين الإصلاح الزراعي، وإعلان الوحدة مع سوريا (1958-1961). خاض مواجهة دموية حاسمة مع جماعة الإخوان المسلمين؛ بدأ بتعرضه لـ “حادث المنشية” الشهير بالإسكندرية عام 1954 حيث حاولت التنظيمات السرية للإخوان اغتياله أثناء إلقاء خطابه، فرد بحل الجماعة واعتقال قياداتها. وفي عام 1965، كشفت الأجهزة الأمنية “تنظيم سيد قطب” الإرهابي الذي خطط لتفجير القناطر الخيرية ومحطات الكهرباء واغتيال عبد الناصر والشخصيات العامة، وأسفرت المحاكمات عن إعدام سيد قطب وعدد من قيادات الجهاز السري. تعرض ناصر لنكسة يونيو 1967 وتنحى ثم عاد بضغط شعبي عارم لقيادة حرب الاستنزاف حتى وفاته المفاجئة عام 1970.
3. عهد الرئيس محمد أنور السادات (1970 – 1981):
بطل الحرب والسلام. أطلق “ثورة التصحيح” عام 1971 لتصفية مراكز القوى، وقاد القوات المسلحة للانتصار المجيد في حرب أكتوبر 1973 وتحطيم خط بارليف. التحول للاقتصاد الحر والانفتاح، وإعادة التعددية الحزبية المقيدة، وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979 واستعادة سيناء. أخرج السادات الجماعات الإسلامية والإخوان من السجون لمواجهة اليساريين والناصريين، غير أن هذه الجماعات انقلبت عليه وأسست التنظيمات الجهادية والتكفيرية. انتهى عهده بفاجعة “حادث المنصة” والاغتيال السياسي الشنيع في 6 أكتوبر 1981 أثناء العرض العسكري على يد الخلية الإرهابية التابعة لتنظيم الجهاد بقيادة خالد الإسلامبولي وعصود الزمر.
4. عهد الرئيس محمد حسني مبارك (1981 – 2011):
صاحب أطول فترة حكم جمهورية (30 عاماً). استعاد طابا، وأعاد مصر للجامعة العربية، وخاض حرب تحرير الكويت 1991، وركز على الاستقرار المؤسسي والبنية التحتية. خاض مبارك في التسعينيات حرباً ضروساً ضد الإرهاب والجماعات الإسلامية المسلحة (الجماعة الإسلامية والتكفير والهجرة وتنظيم الجهاد)؛ شهدت هذه الحقبة موجات اغتيالات وإرهاب أسود: اغتيال رئيس مجلس الشعب رفعت المحجوب عام 1990، والمفكر فرج فودة عام 1992، ومحاولة اغتيال الأديب العالمي نجيب محفوظ عام 1995، ومحاولة اغتيال مبارك نفسه في أديس أبابا عام 1995، بالإضافة لحوادث تفجير الأقصر 1997 وموجة تفجيرات طابا وشرم الشيخ ودهب (2004-2006)، ومذبحة كنيسة القديسين با







