أزمة ملكة سبأ مع النبي سليمان
- لقد ضربت الملكة بلقيس ملكة سبأ مثالا يحتذى فى إدارتها لأزمتها مع النبى سليمان عليه السلام، الذى أرسل إليها كتابا، يدعوها فيه إلى الإنابة لله ورسوله بأن تأتيه وقومها مسلمين مذعنين، فبمنتهى الحكمة والتعقل، فقابلت الملكة الفطنة حزم سليمان وصرامته، غير مغترة بهيبتها أو بأس مملكتها وسطوتها، ومن ثم أدارت الملكة الذكية، التى تدرك حدود القوة وتعى موازين القوى، أزمتها بعبقرية تحسد عليها، فقد عمدت فى البداية إلى الوقوف على حقي
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد ضربت الملكة بلقيس ملكة سبأ مثالا يحتذى فى إدارتها لأزمتها مع النبى سليمان عليه السلام، الذى أرسل إليها كتابا، يدعوها فيه إلى الإنابة لله ورسوله بأن تأتيه وقومها مسلمين مذعنين، فبمنتهى الحكمة والتعقل، فقابلت الملكة الفطنة حزم سليمان وصرامته، غير مغترة بهيبتها أو بأس مملكتها وسطوتها، ومن ثم أدارت الملكة الذكية، التى تدرك حدود القوة وتعى موازين القوى، أزمتها بعبقرية تحسد عليها، فقد عمدت فى البداية إلى الوقوف على حقيقة قدرات سليمان واختبار صبره ومستوى ردود أفعاله حيال تصرفاتها المحتملة، ودونما تضييع للوقت، فقد سارعت الملكة بتشكيل مجموعة أزمة من الخبراء والحكماء وأصحاب الرأى والمشورة وتباحثت معهم فى أمر كتاب سليمان، الذى يمس صلب حياتهم المتمثل فى عقيدتهم التى عكفوا عليها سنين عددا وتوارثوها عن آبائهم وأجدادهم.
ولم يغويها سلطانها العظيم أو منح قومها ومستشاروها الأشداء لها تفويضا تاما ومطلقا بالتصرف واتخاذ القرار النهائى، حينما قالوا لها، كما قال تعالي “والأمر إليك فانظرى ماذا تأمرين” بالإعراض عن إعمال مبادئ الديمقراطية عبر التشاور والمداولة، حيث قالت كما أجرى الله على لسانها وجاء فى كتابه المجيد ” يا أيها الملأ أفتونى فى أمرى ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون” ولقد تجلى دهاء بلقيس وحسن صنيعها فى اعتمادها خيارا تصالحيا يتناسب وخصوصية مكانة سليمان بوصفه شخصية غير عادية، كونه يجمع ما بين النبوة والملك كوالده داوود عليهما السلام، ويمتلك من قوة البأس وصلاح العقيدة وتأييد الله ما يؤهله لقهر أية قوة على الأرض فى زمنه بغير عناء، فبينما ألمح وزراؤها إلى جهوزيتهم للتصعيد واستعدادهم للمواجهة.
حينما قالوا “نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد” إلا أن بلقيس صاحبة الرؤية الثاقبة والبصيرة النافذة آثرت أن البدء بإرسال هدية قيمة إلى نبي الله سليمان، مع علية قومها وقلائدهم، تلويحا منها بالتهدئة ورغبة فى كسب الوقت إلى حين عودة المرسلين، بما يخولها مراجعة تقديرها للموقف، ودراسة الأمر بعمق، واختبار نوايا سليمان والإحاطة بإمكاناته والاستراتيجيات المتوقعة من جانبه، غير أن نبي الله سليمان عليه السلام، الذى لا تأخذه رأفة بأحد فى دين الله، أدرك مقاصدها واستنكر صنيعها، حتى جاء رده تصعيديا متوعدا بالويل والثبور، حيث قال الله عز وجل “لنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون” وهو الموقف الذى يجسد، بلا ريب، صدقية الردع الاستراتيجى.
حيث لم تعرف البشرية فى ذلك الزمان زعيما بعظمة وعلم سليمان النبى الملك، أو جيشا بقوة جيشه الذى يضم عتاة الجن والإنس والطير والحيوانات الكاسرة، كما قال تعالي “وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون” عندئذ، أيقنت بلقيس، بعدما بصرت بما لم يبصر به رجالها، أن مكانة سليمان العلية وبأسه الذى لا يقهر، وإقدامه الذى لا يعرف التردد، إنما يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنه ليس ملكا كسائر الملوك، وأنه لا محالة رسول كريم مشمول بعناية السماء، ومؤيد بنصر الإله الواحد، لذلك سارعت ملكة سبأ، الحريصة على مصير رعيتها ومآل مملكتها، فى اتخاذ القرار المناسب وسط بيئة قرارية معقدة للغاية، ما بين حساسية قضية العقيدة وقلة الخيارات الممكنة، مع ضيق الوقت وجدية تهديدات نبي الله سليمان، وبناء عليه جاء قرارها الحاسم بالامتثال لأمره، فجمعت حاشيتها وجنودها، واتجهت فى جمع منهم إلى بيت المقدس حيث مقر عرش النبى الملك.







