- في لحظة استثنائية من غليان المشهد الإقليمي واحتدام المواجهة على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية، تشهد أروقة جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) حالة غير مسبوقة من الاستنفار والتأهب الاستخباراتي تجاه الملف الإيراني
- داخل المقر المغلق للجهاز، تُدار تقييمات مكثفة حول خطط طهران، وسط مخاوف متزايدة من تآكل قواعد الردع التقليدية وانزلاق المنطقة إلى مواجهة موسعة تُثقل كاهل القدرات العسكرية والتحالفات الاستراتيجية لتل أبيب
كتبت:بسنت حسين
في لحظة استثنائية من غليان المشهد الإقليمي واحتدام المواجهة على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية، تشهد أروقة جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) حالة غير مسبوقة من الاستنفار والتأهب الاستخباراتي تجاه الملف الإيراني. داخل المقر المغلق للجهاز، تُدار تقييمات مكثفة حول خطط طهران، وسط مخاوف متزايدة من تآكل قواعد الردع التقليدية وانزلاق المنطقة إلى مواجهة موسعة تُثقل كاهل القدرات العسكرية والتحالفات الاستراتيجية لتل أبيب.
هذا التوجس الداخلي لم يكن مجرد تقييمات على ورق، بل تحول إلى حركة دبلوماسية استخباراتية خاطفة باتجاه واشنطن، حيث فتحت ملفات غاية في السرية داخل الغرف المغلقة للبيت الأبيض ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA). لم تكن تلك الزيارة بروتوكولية بأي حال، بل كانت محاولة عاجلة لتوحيد “بنك المعلومات” وتأمين غطاء استراتيجي مشترك؛ في وقت تشعر فيه أجهزة الأمن الإسرائيلية بأن نافذة التحرك الاستباقي تضيق، وأن خطوط الردع القديمة التي اعتادت فرضها في المنطقة لم تعد ترهب طهران كما كانت.
وهنا يطرح السؤال الكبير نفسه: هل تعكس هذه التحركات المتسارعة بداية إدراك إسرائيلي بالهزيمة؟
الحقيقة أن أروقة التحليل السياسي لا تفسر هذا القلق كاعتراف بـ “هزيمة عسكرية حاسمة” بمفهومها التقليدي، بل هو خوف أعمق بكثير.. إنه الرعب من “الإنهاك الاستراتيجي”.
فالخطر الأكبر الذي يطارد تل أبيب اليوم لا يكمن في مواجهة مباشرة واحدة، بل في الانزلاق إلى حرب استنزاف مفتوحة طويلة الأجل وعلى جبهات متعددة. حرب تمتص الطاقات الاقتصادية، وتنهك الجبهة الداخلية، وتضع الحدود العسكرية تحت ضغط مستمر لا يطاق. كما أن هذه التحركات تكشف عن قناعة ضمنية بأن عصر “المغامرات الفردية” قد انتهى؛ فلا يمكن التعامل مع ملف معقد وثقيل بحجم الملف الإيراني بعيداً عن المظلة الأمريكية الكاملة.
تظل كل هذه التحركات والاستنفارات مؤشراً صريحاً على أن المنطقة تقف عند منعطف التاريخ. وبينما تحاول تل أبيب إعادة ترتيب تحالفاتها وترميم جدار الردع، تبقى الأسئلة المعلقة هي التي تؤرق الجميع: هل تنجح هذه الاتصالات المكثفة في احتواء الانفجار القادم، أم أنها مجرد ترتيبات أخيرة لقرع طبول مرحلة جديدة أكثر سخونة؟ مرحلة تظل فيها إسرائيل تتأرجح على حافة النار والكراهية







