⚡ عاجل
مشروع بنما للنسيان الممنهج 🇪🇬 الخبر الحصرى
مشروع بنما للنسيان الممنهج 🇪🇬 الخبر الحصرى
مشروع بنما للنسيان الممنهج 🇪🇬 الخبر الحصرى
أخبار مصرنماذج مشرفة

نجيب محفوظ – سليل الفراعنة وحكيم الحارة المصرية ونوبل العرب الذي حكم العالم برواية


اسماء جامع


2026-08-29


08:24


منذ ساعة


أخبار مصر

بقلم: أشرف عبده

 

1. الميلاد والنشأة والجذور – من الجمالية خرج تاريخ الأدب العربي:

ولد نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا في 11 ديسمبر 1911 في حي الجمالية العتيق بالقاهرة، في قلب القاهرة الفاطمية حيث الحسين والأزهر وخان الخليلي والغورية، وكان والده موظفاً بسيطاً، وسمي نجيب محفوظ تيمناً بالطبيب العالمي نجيب محفوظ باشا الذي أشرف على ولادته، فكانت ولادته مباركة منذ اللحظة الأولى. عاش طفولته في الجمالية ثم انتقلت الأسرة إلى العباسية والحسين، وهذه الأحياء القديمة هي التي استلهمها في كل أعماله الروائية، فهو لم يختر الحارة بل الحارة هي التي اختارته وربته. التحق بجامعة القاهرة عام 1930 وحصل على ليسانس الفلسفة عام 1934، وشرع في إعداد رسالة ماجستير عن الجمال في الفلسفة الإسلامية، لكن حبه للأدب كان أكبر من الفلسفة الأكاديمية. بدأ الكتابة منذ الثلاثينيات واستمر حتى 2004، أي أكثر من 70 عاماً من العطاء المتواصل، من ترجمته الأولى لكتاب مصر القديمة عام 1932 حتى كتاب أحلام فترة النقاهة عام 2004، وتوفي في 30 أغسطس 2006 في حي العجوزة عن عمر ناهز 95 عاماً، بعد أن طعنه متطرف في رقبته عام 1994 لكنه نجا وكتب بعدها.

 

2. تاريخه الوظيفي والإنساني – الموظف الذي حكم العالم:

لم يكن نجيب محفوظ أديباً متفرغاً في البداية، بل كان موظفاً حكومياً مجتهداً، عمل سكرتيراً برلمانياً في وزارة الأوقاف من 1938 حتى 1945، ثم مديراً لمؤسسة القرض الحسن، ثم مديراً لمكتب وزير الإرشاد، ثم مديراً للرقابة على المصنفات الفنية في وزارة الثقافة، ثم مديراً لمؤسسة دعم السينما، ثم مستشاراً لوزير الثقافة لشؤون السينما، وكان عضواً في المجلس الأعلى للثقافة والمجلس القومي للثقافة، وكان يجلس يومياً على مقهى الفيشاوي ومقهى ريش يراقب الناس ويكتب عنهم، وكان رجلاً شديد التواضع يمشي على قدميه في الحارة، يصلي الفجر ويذهب إلى عمله، لم يركب سيارة فارهة ولم يسكن قصراً، بل عاش في شقة بسيطة في العجوزة، وكان يرفض الظهور الإعلامي ويقول: “الكاتب يجب أن يعرف من كتبه لا من وجهه”، وقد تزوج متأخراً عام 1954 من السيدة عطية الله وأنجب بنتين هما فاطمة وأم كلثوم.

 

3. أهم رواياته – 30 رواية حولت الحارة إلى عالمية:

كتب نجيب محفوظ أكثر من 30 رواية اشتهرت غالبيتها وتم إنتاجها سينمائياً، وبدأ بثلاثية تاريخية فرعونية هي عبث الأقدار 1939 عن خوفو، ورادوبيس 1943 التي فازت بجائزة قوت القلوب الدمرداشية 1942، وكفاح طيبة 1944 التي فازت بجائزة وزارة المعارف، ثم انتقل إلى الواقعية القاهرية فكتب القاهرة الجديدة 1945 وخان الخليلي 1946 وزقاق المدق 1947 وهي أشهر رواية عن الحارة الشعبية وتم ترجمتها إلى 20 لغة، والسراب 1948 وبداية ونهاية 1949 عن أسرة تنهار بعد موت الأب، ثم كتب الثلاثية الخالدة التي انتهى منها 1952 ولم تنشر إلا 1956 لضخامتها وهي بين القصرين 1956 وقصر الشوق 1957 والسكرية 1957 وهي ملحمة عائلة السيد أحمد عبد الجواد من 1917 حتى 1952 وتعتبر أعظم رواية عربية في القرن العشرين، ثم اللص والكلاب 1961 والسمان والخريف 1962 والطريق 1964 والشحاذ 1965 وثرثرة فوق النيل 1966 وميرامار 1967، ثم روايته المثيرة للجدل أولاد حارتنا 1959 التي منعت في مصر حتى 2006، والمرايا 1972 والحب تحت المطر 1973 والكرنك 1974 وقلب الليل 1975 وحضرة المحترم 1975 وملحمة الحرافيش 1977 وهي ملحمة الحارة المصرية عبر 10 أجيال، وعصر الحب 1980 وأفراح القبة 1981 وليالي ألف ليلة وليلة 1982 والباقي من الزمن ساعة 1982 وأمام العرش 1983 ورحلة ابن فطومة 1983 والعائش في الحقيقة 1985 ويوم قتل الزعيم 1985 وحديث الصباح والمساء 1987 وقشتمر 1988 وهي آخر رواياته، بالإضافة إلى 20 مجموعة قصصية.

 

4. جوائزه وأوسمته – من قوت القلوب إلى نوبل:

حصل نجيب محفوظ على كل جوائز مصر والعالم، فبدأ بجائزة قوت القلوب الدمرداشية 1942 عن رادوبيس، وجائزة وزارة المعارف 1944 عن كفاح طيبة، وجائزة مجمع اللغة العربية 1946، وجائزة الدولة التشجيعية 1957، ووسام الاستحقاق من الطبقة الأولى 1962، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب 1968، ووسام الجمهورية من الطبقة الأولى 1972، وقلادة النيل العظمى 1988 وهي أرفع وسام مصري، وجائزة كفافيس العالمية 2004، لكن الجائزة الكبرى كانت جائزة نوبل في الأدب يوم 13 أكتوبر 1988 ليصبح أول أديب عربي مصري يحصل عليها في التاريخ بعد 87 أديباً عالمياً قبله، وقد أعلنت الأكاديمية السويدية فوزه لأنه “صاغ فناً روائياً عربياً ذا طابع إنساني عالمي”، وتبرع بقيمة الجائزة للفقراء، ومنذ 1996 تمنح الجامعة الأمريكية بالقاهرة جائزة أدبية باسمه هي جائزة نجيب محفوظ للأدب لتشجيع الروائيين العرب.

 

5. علاقته بالحارة المصرية – الحارة هي البطلة الحقيقية:

لم يكتب نجيب محفوظ عن الحارة بل كتبت الحارة من خلاله، فالحارة عنده ليست مكاناً بل كائن حي يتنفس ويضحك ويبكي ويتآمر ويحب، ففي زقاق المدق نرى عباس الحلو وحميدة التي تريد الخروج من الحارة، وفي بين القصرين نرى السيد أحمد عبد الجواد يخاف من زوجته أمينة رغم جبروته في الخارج، وفي الحرافيش نرى ملحمة الحارة من الجد الكبير عاشور الناجي حتى أبنائه الذين يضيعون الأمانة، والحارة عنده هي مصر الصغيرة، فيها الفتوة والحرافيش والمعلم والشيخ والقهوة والمسجد والكنيسة، وهي صراع الخير والشر والفقر والغنى والسلطة والشعب، وقد قال عنه النقاد: “نقل نجيب محفوظ في أعماله حياة الطبقة المتوسطة في أحياء القاهرة فعبر عن همومها وأحلامها وعكس قلقها وتوجساتها حيال القضايا المصيرية”، ولهذا تحولت كل حاراته إلى أفلام حفظها الجمهور، وله متحف الآن في تكية أبو الدهب بالأزهر فيه مقتنياته وأوسمته ويرى الزائر فيه تاريخ مصر الحديث كله من خلال حارة محفوظ.

 

6. أهم ما نشر عنه وكتب عنه – مكتبة كاملة عن رجل واحد:

كتب عن نجيب محفوظ أكثر مما كتب هو نفسه، فهناك أكثر من 500 كتاب ودراسة ورسالة ماجستير ودكتوراه عنه في مصر والعالم، ومن أهم الكتب: نجيب محفوظ يتذكر لجمال الغيطاني وهو سيرة ذاتية على لسانه، ورحلة مع نجيب محفوظ لرجاء النقاش، ونجيب محفوظ من الجمالية إلى نوبل لمحمد سلماوي، وعالم نجيب محفوظ الروائي لغلاب، والحارة المصرية في أدب نجيب محفوظ، وتحولت معظم أعماله إلى أفلام ومسلسلات فأصبح صوته يتجاوز حدود اللغة، ومن أشهر الأفلام المأخوذة عنه: زقاق المدق وبين القصرين وقصر الشوق والسكرية واللص والكلاب وثرثرة فوق النيل والكرنك وبداية ونهاية، وهناك متحفه في الأزهر، وشخصية معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 تم اختياره هو ليكون شخصية المعرض بعد 20 عاماً من وفاته، وهذا دليل على أنه لم يمت بل ما زال يحكم الثقافة العربية.

 

7. أشهر مقولاته الخالدة – حكم نوبل التي تدرس:

ترك نجيب محفوظ مقولات أصبحت حكماً شعبية تردد في كل بيت، ومنها: “الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع من الحياة”، و”أكبر هزيمة في حياتي هي حرماني من متعة القراءة بعد ضعف نظري”، و”الحب هو الغموض والغرابة معاً”، و”الحكمة ليست في أن لا تحزن بل في أن تتعلم كيف تفرح بعد كل حزن”، و”الثقافة أن تعرف شيئاً عن كل شيء، والتخصص أن تعرف كل شيء عن شيء”، و”الدنيا كلها ليس فيها مسكين أفقر من جاهل”، و”إذا أردت أن تفهم إنساناً فانظر إلى فعله في لحظة اختيار حر”، و”الحرية هي ثمن العظمة”، و”لا تخف من مواجهة الحياة، فإن بدا عليك الخوف زادت عليك الصعاب”، و”العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى ولو لم يؤمن بها”، وكل مقولة من هذه كانت خلاصة رواية كاملة كتبها بدمه.

 

كلمة من القلب عن حكيم الحارة – نجيب محفوظ

لا تكتبوا عن نجيب محفوظ كأديب فاز بنوبل، بل اكتبوا عنه كإنسان كان يخجل أن يقطع حديث بائع الفول في الجمالية، كان يمر كل صباح على نفس البقال، يسلم على نفس الأطفال، يجلس على نفس الكرسي المكسور في مقهى الفيشاوي، ويطلب نفس فنجان القهوة التركي، ثم يفتح دفتراً صغيراً ويكتب فيه سطراً واحداً: “اليوم رأيت عباس الحلو يبكي”.

 

نجيب محفوظ لم يكن يكتب الرواية، كان يكتبنا نحن، كان يكتب ريحة الخبز الساخن في زقاق المدق، وصوت أمينة وهي تتوضأ في بين القصرين، وضحكة حميدة التي باعت الحارة كلها من أجل فستان، ودمعة السيد أحمد عبد الجواد وهو يخاف من زوجته رغم أنه فتوة الحارة.

 

الإنسان محفوظ كان أفقر من كل أبطاله، وأغنى منهم جميعاً، كان يسكن شقة في العجوزة إيجارها 10 جنيهات، ويرفض أن يشتري سيارة، ويمشي على قدميه حتى سن التسعين، وحين طعنه شاب متطرف في رقبته عام 1994 بسكين لأنه كتب “أولاد حارتنا”، لم يصرخ، لم يشتكِ، بل قال من على سرير المستشفى: “سامحته، لأنه لم يقرأني، لو قرأني لأحبني”.

 

الكاتب محفوظ لم يكن يبحث عن مجد، كان يبحث عن الحارة التي ضاعت، كان يسأل في كل رواية: أين ذهب عاشور الناجي؟ لماذا ضاع الناجي الأخير؟ لماذا باع الحرافيش أمانة الجد؟ وكان الجواب دائماً: لأننا نسينا الحارة، نسينا أن الحارة هي مصر، ومصر هي الحارة.

 

يا سادة، نجيب محفوظ لم يمت في 30 أغسطس 2006، نجيب محفوظ مات حين توقفنا عن الجلوس في القهوة الشعبية، حين توقفنا عن سماع حكايات الجدة، حين بعنا زقاق المدق وبنينا مكانه مولاً.

 

إذا أردتم أن تكرموا نجيب محفوظ، لا تضعوا تمثالاً له في الميدان، بل اجلسوا في مقهى شعبي، اطلبوا شاياً، وانظروا حولكم، ستجدونه جالساً بجانبكم، يبتسم، يكتبكم، يكتبنا، ويهمس: “الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع من الحياة، فلا تخافوا، احيوا حارتكم، تحيا مصر”.

 

هذا هو نجيب محفوظ.. الإنسان الذي كان يبكي إذا رأى طفلاً جائعاً، والكاتب الذي جعل الجائع بطلاً لنوبل.

الخلاصة:

نجيب محفوظ لم يكن مجرد كاتب، بل كان ضمير الحارة المصرية، كان ابن الجمالية الذي خرج من حارة بسيطة ليصنع تاريخ الأدب العربي والعالمي، كتب 70 عاماً بلا توقف، نال نوبل وتبرع بها، طعنه متطرف فسامحه، مات فقيراً رغم شهرته، وترك لنا حارة كاملة ما زلنا نسكن فيها حتى اليوم، فكل واحد فينا هو عباس الحلو أو حميدة أو السيد أحمد عبد الجواد أو عاشور الناجي.

 

رحم الله حكيم الحارة ونوبل العرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى