محمد رمضان… حين يتحوّل الحفل إلى سؤال عن الفن والأخلاق والمسؤولية …!
هناك لحظات لا يعود فيها الصمت حيادًا… بل يصبح نوعًا من التطبيع مع الخطأ.
- وهناك مشاهد، مهما حاولنا تبريرها تحت عناوين الفن، والحرية، والترفيه، والحفلات الجماهيرية، تفرض علينا أن نتوقف قليلًا ونسأل: إلى أين نحن ذاهبون؟ وأي صورة نريد أن نقدمها عن مجتمعاتنا أمام أبنائنا والعالم؟
- ما حدث خلال حفل شبه الفنان المدعو "محمد رمضان" في الساحل الشمالي بقاهرة المُعـِز جمهورية مصر العربية، بحسب ما تم تداوله من مشاهد وتقارير وشهادات عبر مواقع التواصل الاجتماعي الفايسبوك، أثار موجة واسعة من الغضب
بقلم/ المُعٍـز غَنِـي
وهناك مشاهد، مهما حاولنا تبريرها تحت عناوين الفن، والحرية، والترفيه، والحفلات الجماهيرية، تفرض علينا أن نتوقف قليلًا ونسأل: إلى أين نحن ذاهبون؟ وأي صورة نريد أن نقدمها عن مجتمعاتنا أمام أبنائنا والعالم؟
ما حدث خلال حفل شبه الفنان المدعو “محمد رمضان” في الساحل الشمالي بقاهرة المُعـِز جمهورية مصر العربية، بحسب ما تم تداوله من مشاهد وتقارير وشهادات عبر مواقع التواصل الاجتماعي الفايسبوك، أثار موجة واسعة من الغضب والاستنكار، على خلفية حديث عن تدافع وإغماءات ومشاهد تحرش وفوضى وسلوكيات أعتبرها كثيرون صادمة وغير لائقة.
والأخطر أن هذا الجدل يأتي بعد حادثة مؤلمة أرتبطت بحفل لمحمد رمضان في الساحل الشمالي سنة 2025، حيث أُعلن آنذاك عن وفاة شاب وإصابة عدد من الأشخاص إثر الألعاب النارية.
وبين حادثة الأمس ومشاهد اليوم، يحق لنا أن نسأل بكل صراحة:
هل ننتظر كارثة جديدة حتى نتحرك؟
الفن ليس حصانة من المسؤولية
لنكن واضحين…
لسنا ضد الفن، ولا ضد الغناء، ولا ضد إقامة الحفلات، ولا ضد أن يستمتع الشباب بالموسيقى.
لكن الترفيه لا يعني الفوضى، والحرية لا تعني إسقاط كل الحدود، والجماهيرية لا تمنح أحدًا حصانة من المسؤولية.
الفنان الذي يعتلي المسرح أمام عشرات الآلاف لا يؤدي دورًا عاديًا.
إنه أمام جمهور واسع، وبين هذا الجمهور أطفال ومراهقون وشباب وفتيات وعائلات، ولذلك تصبح مسؤولية التنظيم والحماية وإحترام الذوق العام مسؤولية مشتركة بين الفنان والمنظمين والجهات المختصة والجمهور نفسه.
أما أن تتحول بعض الحفلات إلى ساحات للتدافع والإغماءات والفوضى، أو إلى مشاهد صادمة تتجاوز ما يقبله المجتمع، فهنا يجب أن نتوقف.
الشهرة ليست رخصة للفوضى.
من المسؤول عندما تقع الكارثة؟
السؤال ليس: من يحب محمد رمضان ومن يكرهه؟
هذا سؤال سطحي.
السؤال الحقيقي هو:
من يتحمل المسؤولية عندما يتحول تجمع جماهيري ضخم إلى خطر على حياة الناس؟
من يضع شروط السلامة؟
من يراقب الطاقة الاستيعابية؟
من يتأكد من مخارج الطوارئ؟
من يؤمّن الحشود؟
من يمنع التدافع؟
ومن يتدخل عندما تخرج الأمور عن السيطرة؟
هذه الأسئلة يجب أن تُطرح قبل أن تقع الكارثة، لا بعدها.
فالكارثة لا تعلن عن نفسها قبل وقوعها.
الساحل الشمالي… هل أصبح عنوانًا للتجاوز؟
مصر ليست مجرد مكان لإقامة الحفلات.
مصر بلد له تاريخ وثقافة وحضارة عريقة، وبلد الأزهر الشريف، وبلد ترك بصمته في الفن العربي لعقود طويلة.
ومن حق المصريين أن يختلفوا حول الأذواق الفنية، ومن حق الشباب أن يبحثوا عن الترفيه، لكن من حق المجتمع أيضًا أن يقول:
هناك حدود لا ينبغي تجاوزها.
ليس كل ما يحقق ملايين المشاهدات يستحق أن يصبح نموذجًا.
وليس كل ما يملأ المدرجات فنًا عظيمًا.
وليس كل ما يثير الجدل نجاحًا.
أحيانًا يكون الضجيج مجرد ضجيج.
وأحيانًا تكون الشهرة أكبر من القيمة التي تقف خلفها.
وأين الأسرة؟
ربما يكون أكثر الأسئلة حساسية هو المتعلق بالعائلات.
حين تشاهد أعدادًا كبيرة من الفتيات والشباب تتوجه إلى حفلات ضخمة تمتد إلى ساعات متأخرة من الليل، فإن السؤال الطبيعي ليس للتدخل في حياة الناس أو فرض الوصاية عليهم، وإنما للتذكير بأن الحرية مسؤولية، والأسرة مسؤولية، والمجتمع مسؤولية.
لكن يجب أن نكون منصفين أيضًا:
لا يجوز تحميل الفتيات وحدهن مسؤولية ما قد يحدث في تجمعات جماهيرية، ولا تبرير أي أعتداء أو تحرش جنسب بسلوك الضحية أو بملابسها أو بوجودها في الحفل.
المتحرش هو المسؤول عن تحرشه، والمعتدي هو المسؤول عن أعتدائه.
وهذه قاعدة أخلاقية لا ينبغي أن تتغير.
المطلوب حماية الجميع، لا البحث عن مبررات لمن يسيء إلى الآخرين.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الفوضى
نحن نعيش في عالم مضطرب، وفي مجتمعات تحتاج إلى الوعي أكثر من حاجتها إلى الإستعراض.
نحتاج إلى فن يرفع الذوق، لا إلى مشاهد تزيد الأنقسام.
نحتاج إلى حفلات منظمة وآمنة ومحترمة، لا إلى تجمعات قد تتحول في لحظة إلى مأساة.
نحتاج إلى نجوم يعرفون أن الكلمة والصورة والحضور الجماهيري مسؤولية.
ولا نحتاج إلى أن نستيقظ ذات صباح على خبر وفاة شاب أو إصابة عشرات الأشخاص حتى نسأل:
لماذا لم نتدخل قبل فوات الأوان؟
إلى الجهات المصرية المختصة
إذا ثبتت التجاوزات التي يتم تداولها، فالمطلوب ليس الصمت ولا التبرير.
المطلوب تحقيق جاد، ومحاسبة واضحة، وتشديد شروط تنظيم الحفلات الجماهيرية.
ومن يثبت تقصيره، أكان منظمًا أو مسؤولًا أو جهة أو فردًا، يجب أن يتحمل مسؤوليته وفق القانون.
أما الفنان، مهما بلغت شهرته، فيجب أن يدرك أن المسرح ليس مكانًا معزولًا عن المجتمع.
كلما كبرت الجماهير، كبرت المسؤولية.
كلمة أخيرة…
لسنا ضد محمد رمضان كشخص، ولسنا قضاة على الناس، ولسنا بصدد إصدار أحكام على ما لم تثبته الجهات المختصة.
لكننا ضد الفوضى، والتحرش، والإهانة، والتدافع، وتعريض حياة الناس للخطر، وكل سلوك يسيء إلى صورة الفن والمجتمع.
وإذا كانت حفلة ما قد شهدت تجاوزات أو إخلالًا بالسلامة، فمن حق المجتمع أن يطالب بالتحقيق.
وإذا كانت هناك سوابق خطيرة مرتبطة بحفلات سابقة، فمن حق الجهات المختصة أن تراجع إجراءات التأمين والتنظيم قبل منح أي ترخيص جديد.
الحفل الذي يحتاج بعد إنتهائه إلى أن نعدّ ضحاياه ليس نجاحًا… مهما كان عدد الحاضرين ومهما كانت قيمة التذاكر.
الفن الحقيقي لا يحتاج إلى الفوضى كي ينجح.
والنجم الحقيقي لا يحتاج إلى الصدمة كي يثبت وجوده.
ومصر، بتاريخها وحضارتها وثقلها الثقافي، تستحق أن تكون حفلاتها عنوانًا للرقي والتنظيم والجمال والأمان، لا مادة للجدل والاشمئزاز والخوف.
فليكن السؤال اليوم واضحًا:
هل نريد حفلات تُسعد الناس… أم حفلات ننتظر بعدها من يُحاسَب؟
وقبل أن تتحول الفوضى إلى مأساة جديدة، وقبل أن ندفع ثمن الإستهتار بأرواح أبنائنا، آن الأوان أن تكون هناك رقابة حقيقية، وتنظيم صارم، ومحاسبة بلا مجاملة، أيًا كان إسم الفنان أو حجم شهرته.
اللهم أسترنا، وأحفظ أبناءنا وبناتنا، وأحفظ مصر وأهلها من كل سوء، ولا تجعلنا ننتظر الكارثة حتى نتعلم كيف نمنعها.
وربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وألهمنا جميعًا الرشد والوعي وحسن الاختيار. 🤲
الفن أخلاق قبل أن يكون أضواء… والشهرة مسؤولية قبل أن تكون ملايين.






