فرنسا والعشق المصري – من نابليون بونابرت حتى إيمانويل ماكرون.. حكاية 227 عاماً من الحب لا تنتهي
بقلم: أشرف عبده
حين نزلت مقاتلات الرافال الفرنسية فوق سماء القاهرة في 6 أبريل 2025 لتستقبل طائرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول عسكري، بل كان رسالة تاريخية عمرها 227 عاماً تقول: فرنسا لم تخرج من مصر أبداً منذ أن وطأت أقدام نابليون بونابرت أرض الإسكندرية في 1798. ومنذ ذلك اليوم والفرنسي يعشق مصر كعاشق يعشق امرأة فرعونية لا تشيخ، يعشق نيلها وحجارتها ورائحة بخور خان الخليلي وصوت أم كلثوم وضحكة أطفال الحارة. زيارة ماكرون لمصر في أبريل 2025 التي مثلت نقطة تحول محورية في مسار التعاون الثنائي وتوقيع اتفاقيات ضخمة، ثم زيارته الثانية لبرج العرب والإسكندرية في مايو 2026 لافتتاح جامعة سنجور الدولية وزيارة قلعة قايتباي والممشى السياحي، ليست زيارات سياسية فقط، بل هي حجة عاشق يعود لبيت حبيبته القديمة.
1. نابليون بونابرت 1798 – الغازي الذي وقع في عشق مصر:
جاء نابليون بونابرت إلى مصر في 2 يوليو 1798 بـ 36 ألف جندي و 167 عالماً، ظن أنه جاء ليحتل، فإذا بمصر هي التي احتلته واحتلت قلبه وعقله، ومعه كان علماء الحملة الفرنسية الذين أسسوا المجمع العلمي المصري في 20 أغسطس 1798، ورسموا أول خريطة دقيقة لمصر، واكتشفوا حجر رشيد عام 1799 على يد الضابط بوشار، ذلك الحجر الذي سيفتح بعد 23 عاماً أسرار الهيروغليفية، نابليون هزم عسكرياً وخرج عام 1801، لكنه ترك في مصر بذرة لا تموت: قال لجنوده “يا جنود من فوق هذه الأهرامات 40 قرناً تنظر إليكم”، ومن يومها والفرنسي ينظر إلى الأهرامات كأنها أمه، وحين عاد إلى فرنسا أخذ معه وصف مصر الضخم “Description de l’Égypte” في 23 مجلداً، وهو أعظم كتاب كتب عن مصر في التاريخ، ومنه ولد علم المصريات Egyptology، ومنه بدأ العشق.
2. شامبليون وفك رموز الهيروغليفية 1822 – الفرنسي الذي جعل الموتى الفراعنة يتكلمون:
في 27 سبتمبر 1822 وقف الشاب الفرنسي جان فرانسوا شامبليون في باريس يصرخ: “لقد وجدتها”، لقد فك رموز حجر رشيد، وجعل الفراعنة يتكلمون بعد 1500 عام من الصمت، ومنذ ذلك اليوم أصبح كل فرنسي يعتبر نفسه حفيداً لرمسيس الثاني، وأصبحت أقسام المصريات في جامعات السوربون وليون وستراسبورغ هي الأقوى في العالم، وأصبح اللوفر يضم أكثر من 50 ألف قطعة مصرية، وأصبحت المسلة المصرية في ساحة الكونكورد بباريس هي قلب باريس النابض، مسلة الأقصر التي أهداها محمد علي لفرنسا عام 1830 وما زالت تنظر إلى النيل من بعيد.
3. محمد علي باشا والخبراء الفرنسيون – فرنسا تبني مصر الحديثة:
حين أراد محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة أن يبني جيشاً حديثاً، لم يطلب الإنجليز بل طلب الفرنسيين، فجاءه الكولونيل سيف “سليمان باشا الفرنساوي” الذي أسس الجيش المصري الحديث ومدرسة أركان الحرب، وجاءه كلوت بك الطبيب الفرنسي الذي أسس مدرسة الطب في أبو زعبل عام 1827 وأول مستشفى حديث، وجاءه المهندسون الفرنسيون الذين بنوا القناطر الخيرية وأول مصنع نسيج، حتى أن النشيد الوطني المصري الأول كان بالفرنسية، ومن يومها والمصري يتعلم الفرنسية كأنها لغة الأمراء، والفرنسي يتعلم العربية لأنه يريد أن يفهم جمال أم كلثوم.
4. ديليسبس وقناة السويس 1869 – الحلم الفرنسي المصري المشترك:
في 17 نوفمبر 1869 وقف الخديوي إسماعيل والإمبراطورة أوجيني زوجة نابليون الثالث يفتتحان قناة السويس التي حفرها الفرنسي فرديناند ديليسبس بعرق 120 ألف مصري، كانت القناة مشروعاً فرنسياً مصرياً خالصاً، كان الفرنسيون يحلمون بوصل البحرين، والمصريون يحلمون بوصل العالم، ومن يومها والقناة هي رمز العشق المشترك، حتى حين أممها جمال عبد الناصر عام 1956 وغضبت فرنسا وشاركت في العدوان الثلاثي، لم ينكسر العشق، بل عاد ديجول بعدها ليقول: “مصر هي قلب العالم العربي وفرنسا تحب قلب العالم”.
5. الثقافة والفن – من أم كلثوم إلى داليدا:
الفرنسي لا يعشق مصر سياسة فقط بل يعشق روحها، فالمطربة المصرية الأصل الفرنسية الشهرة داليدا التي ولدت في شبرا عام 1933 واسمها يولاندا كريستينا جيجليوتي وأصبحت أشهر مطربة في فرنسا، كانت تقول: “أنا مصرية ولو غنيت في باريس”، والكاتب الفرنسي أندريه جيد وغوستاف فلوبير وجيرار دو نرفال كلهم كتبوا عن مصر كأنها جنة، والرسامون الفرنسيون الاستشراقيون رسموا الحارة المصرية أكثر مما رسم المصريون أنفسهم، واليوم يوجد في مصر أكثر من 70 ألف طالب يدرسون الفرنسية، وهناك المعهد الفرنسي بالقاهرة والإسكندرية والمركز الثقافي الفرنسي الذي يعلم المصريين أن يقولوا “بونجور” بلكنة قاهرية.
6. الشراكة الاستراتيجية 2025-2026 – من السلاح إلى الجامعة:
وصلت العلاقات اليوم إلى مستوى غير مسبوق، فقد شهدت العلاقات نقلة نوعية منذ إعلان رفعها إلى الشراكة الاستراتيجية خلال زيارة ماكرون في أبريل 2025 بدعوة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأكدت الخارجية الفرنسية في أول حوار استراتيجي مصري فرنسي بالقاهرة أبريل 2026 أن العلاقات ذات جودة استثنائية، ففرنسا اليوم هي المورد الأول لسلاح الرافال والفرقاطات لمصر، وهي شريك في المترو والطاقة النووية والتعليم، فقد شهدت زيارة أبريل 2025 توقيع اتفاقيات بين الجامعات لتطوير نموذج متكامل للتعاون الأكاديمي، وفي مايو 2026 افتتح الرئيسان السيسي وماكرون فرع جامعة سنجور الدولية في برج العرب وتجولا في كورنيش الإسكندرية وقلعة قايتباي وشاهدا التنقيب تحت الماء لبقايا فنار الإسكندرية، بل إن كبير الأثريين قال إن جولة ماكرون في أزقة القاهرة القديمة كانت ترويجاً سياحياً غير مباشر يعزز العلاقات التاريخية.
7. موقف فرنسا من فلسطين – العشق يصبح موقفاً:
وفي قمة النبل، عززت فرنسا مكانتها كشريك موثوق لمصر من خلال مواقف سياسية متقدمة كان أبرزها اعتراف باريس بالدولة الفلسطينية في سبتمبر 2025، وجاء ماكرون إلى مصر في أكتوبر 2025 لدعم تنفيذ خطة السلام في غزة التي قادتها مصر والولايات المتحدة وقطر وتركيا، وقال ماكرون في العريش إنه جاء ليلتقي الهلال الأحمر المصري والمنظمات الإنسانية على بعد 50 كم من غزة، ففرنسا اليوم تفهم أن حب مصر يعني حب فلسطين، وأن أمن مصر هو أمن المتوسط كله.
الخاتمة – فرنسا لا تحب مصر.. فرنسا هي مصر:
يا سادة، من بونابرت الذي جاء غازياً فخرج عاشقاً، إلى شامبليون الذي جعل الحجارة تتكلم، إلى ديليسبس الذي وصل البحرين، إلى ماكرون الذي يمشي في خان الخليلي ويأكل كشري ويتصور مع الأطفال في الإسكندرية، فرنسا لم تعشق مصر، فرنسا سكنت مصر، وسكنت مصر في قلب فرنسا.
حين تسمع فرنسياً يقول “Je t’aime” فاعلم أنه تعلمها من مصرية، وحين تسمع مصرياً يقول “ميرسي” فاعلم أنه تعلمها من فرنسي أحب مصر.
مرحباً بماكرون في بيته الثاني، مرحباً بفرنسا في حضن مصر التي لا تمل من العشق منذ 227 عاماً.






